ابن عجيبة

541

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قلت : « آية » : نصبت على الحال ، والعامل فيها : معنى الإشارة . و ( لكم ) : حال منها ، تقدمت عليها لتنكيرها . و ( من خزى يومئذ ) - حذف المعطوف ، أي : ونجيناهم من خزى يومئذ ، ومن قرأ بكسر الميم أعربه ، ومن قرأ بالفتح بناه ؛ لاكتساب المضاف البناء من المضاف إليه . قاله البيضاوي . وقال في الألفية : وابن ، أو أعرب ما كإذ قد أجريا * واختر بنا متلو فعل بنيا وقبل فعل معرب أو مبتدأ * أعرب ، ومن بنى فلن يفندا وثمود : اسم قبيلة ، يصح فيه الصرف باعتبار الحي أو الأب الأكبر ، وعدمه باعتبار القبيلة . وقد جاء بالوجهين في هذه الآية . يقول الحق جل جلاله : قال صالح لقومه بعد ظهور آية الناقة ، وقد تقدم في الأعراف قصتها : هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً تدل على صدقي ، فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ ؛ أي : ترعى نباتها وتشرب ماءها ، وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ ، فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ : عاجل ، لا يتأخر عن مسكم لها بالسوء إلا ثلاثة أيام . فَعَقَرُوها وقسموا لحمها ؛ فَقالَ لهم : تَمَتَّعُوا : عيشوا فِي دارِكُمْ ؛ منازلكم ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ؛ الأربعاء والخميس والجمعة . وقيل : عقروها يوم الأربعاء ، وتأخروا الخميس والجمعة والسبت ، وهلكوا يوم الأحد . ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ فيه ، بل هو حق . فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا : عذابنا ، أو أمرنا بهلاكهم ، نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ، قيل : كانوا ألفين وثمانمائة رجل وامرأة . وقيل : أربعة آلاف ، وقال كعب : كان قوم صالح أربعة عشر ألفا ، سوى النساء والذرية ، ولقد كان قوم عاد مثلهم ست مرات . انظر القرطبي . قلت : وقول كعب : كان قوم صالح . . . إلخ ، لعله يعنى الجميع : من آمن ومن لم يؤمن ، فآمن ألفان وثمانمائة ، وهلك الباقي . وكذا هود ، أسلم أربعة آلاف ، وهلك الباقي . قال تعالى : فنجينا صالِحاً ومن معه بِرَحْمَةٍ مِنَّا ، ونجيناهم مِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ وهو : هلاكهم بالصيحة ، أو من هوان يوم القيامة ، إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ؛ القادر على كل شئ ، الغالب عليه ، وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ ؛ باركين على ركبهم ، ميتين ، كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا : يعيشوا ، أو يقيموا فِيها ساعة ، أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ ؛ جحدوه ، أَلا بُعْداً لِثَمُودَ ؛ هلاكا وسحقا لهم . الإشارة : ما رأينا أحدا ربح من ولى وهو يطلب منه إظهار الكرامة ، بل إذا أراد اللّه أن يوصل عبدا إليه كشف له عن سر خصوصيته ، بلا توقف على كرامة . وقد يظهرها اللّه له بلا طلب ؛ تأييدا له ، وزيادة في إيقانه ، فإن طلب الكرامة ، وظهرت له ، ثم أعرض عنه ، فلا أحد أبعد منه . قال تعالى ، في حق من رأى المعجزة ثم أعرض : ( ألا بعدا لثمود ) . وباللّه التوفيق .